عمران سميح نزال

94

الوحدة التاريخية للسور القرآنية

وما من اتجاه جديد يظهر في مناهج التفسير إلا ويظنّ صاحبه أو مصنّفه أنه معنيّ بمهاجمة الأنواع الأخرى السابقة ، أو أنه مطالب أن يبين ضعف الاتجاهات الأخرى حتى يبرر تقدّم اتجاهه الجديد ، وهذه نظرة سلبية ؛ إن وجدت في كل العلوم ، فلا يجوز أن تظهر في علوم التفسير ولا في علوم القرآن ولا بين المفسّرين ولا المجتهدين المسلمين ، فلا يوجد نوع جديد يدعى إليه إلا وله جذور قديمة وأصيلة في الثقافة الإسلامية ، وميّزته عن غيرها في الماضي أنه لم ينمّ كثيرا كغيره ، وذلك لأن البيئة التي نبتت فيها جذور هذا العلم أو المنهج لم يتوفر لها شروط ولا دواعي الرعاية المطلوبة ، وكانت الشروط والدواعي متوفّرة لعلوم ومناهج أخرى ، وقد تأتي لاحقا بيئات علمية أخرى وعصور لاحقة تكتشف حاجتها إلى هذه المناهج والاتجاهات ، فظهور الحاجة إلى أي نوع من أنواع التفسير أكثر من غيره أمر طبيعي ، ولا يعني ذلك ابتداع أنواع أو اتجاهات جديدة ، ولا يوجب محاربة ومعاداة أنواع قديمة . وإذا كان لأيّ علم ومنهج جديد كثير من الإيجابيات والدواعي التي تقدّمه على غيره ، فإنه كذلك لا يخلو من بعض السلبيات ، ولا يستطيع أي منهج أن يبقى هو المنهج الأفضل في تفسير القرآن الكريم إطلاقا ، والذين تشجعوا كثيرا للتفسير الموضوعي لم يبحثوا في سلبيات هذا المنهج ، ومنها أنهم دعوا في منهجية البحث إلى : اختيار عنوان للموضوع القرآني بعد تحديد معالم حدوده ومعرفة أبعاده في الآيات القرآنية ، وجمع الآيات القرآنية التي تبحث في الموضوع ، أو تشير إلى جانب من جوانبه ، وترتيب هذه الآيات حسب زمن النزول ، ودراسة تفسير هذه الآيات دراسة وافية ، واستنباط العناصر الأساسية للموضوع ، وغيرها « 1 » . هذه خطوات مفيدة وإيجابية ولكنها قد تؤول في النهاية إلى جعل التفسير الموضوعي مثل التفسير التجزيئي في تناول موضوعات القرآن الكريم العديدة ، إذ إن مما أخذ على التفسير التجزيئي أنه يتناول تفسير الكلمة أو الآية معزولة عن سياقها ونظمها أو حتى عن سورتها التي نزلت فيها ، والتفسير الموضوعي يدرس الموضوع من القرآن بنظرة جزئية للموضوع في معزل عن موضوعات القرآن الأخرى ، والتي تجتمع

--> ( 1 ) انظر : مباحث في التفسير الموضوعي ، الدكتور مصطفى مسلم ، ص 37 .